عباس حسن

425

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

وننتقل إلى الكلام على الحروف الكثيرة الاستعمال فيه فنوضح المعاني القياسية لكل واحد ، وما قد يتصل بعمله . ويلاحظ ما سبق « 1 » ، وهو أن حرف الجر الأصلي حين يؤدى معنى فرعيّا من المعاني التي ستذكر لا بد أن يقوم في الوقت نفسه بتعدية عامله اللازم إلى مفعول به معنى « 2 » . . . من : حرف يجر الظاهر والمضمر ، ويقع أصليّا وزائدا . . . ويتردد بين أحد عشر معنى : 1 - التبعيض ، أي : الدلالة على البعضية . وعلامتها : أن يكون ما قبلها - في الغالب - جزءا من المجرور بها ، مع صحة حذفها ووضع كلمة : « بعض » مكانها ؛ نحو : خذ من الدراهم . وكقولهم : ادّخر من غناك لفقرك ، ومن قوّتك لضعفك ؛ فالمأخوذ بعض الدراهم ، والمدّخر بعض الغنى والقوة . ويصح وضع كلمة : « بعض » مكان كلمة : « من » . ومثل هذا قول الشاعر : وإنك ممن زيّن اللّه وجهه * وليس لوجه زانه اللّه شائن فالمخاطب جزء من الاسم المجرور بها ؛ وهو : « من » الموصولة التي بمعنى « الّذين » ، وقد يكون ذلك الجزء متأخرا عنها وعن الاسم المجرور بها ، في اللفظ دون الرتبة ؛ كقولهم : « إنّ من آفة المنطق الكذب ، ومن لؤم الأخلاق الملق » فالكذب والملق متأخران في الترتيب اللفظي وحده ، ولكنهما متقدمان في درجتهما ؛ لأن كلا منهما هو : « اسم إنّ » ، والأصل في « اسم إنّ » تقدمه في الرتبة على خبرها . 2 - بيان « 3 » الجنس ، وعلامتها : أن يصح الإخبار بما بعدها عما « 4 » قبلها ؛

--> ( 1 ) في ص 407 . ( 2 ) انظر رقم 1 من هامش ص 438 . ( 3 ) أي : بيان أن ما قبلها - في الغالب - جنس عام يشمل ما بعدها . فما قبلها أكثر وأكبر ؛ كالمثال الأول الآتي ، وقد يكون العكس ، نحو : هذا السوار من ذهب ، وهذا الباب من خشب . ( 4 ) له علامة أخرى : أن يصح حذف . « من » ووضع اسم موصول مكانها مع ضمير يعود على ما قبلها . هذا إن كان ما قبلها معرفة ، فإن كان نكرة فعلامتها أن يخلفها الضمير وحده ؛ نحو : أساور من ذهب ، أي : هي ذهب .